الفصل الثامن

الأب جيانكارلو فونتانا، 72 سنة

رأيتها عندما حضرت إلى قدّاس الأحد، والطفل بين ذراعيها كالعادة. عرفتُ أنها ولوكاس يواجهان صعوبات، لكن حتى ذاك الأسبوع، بدت تلك الصعوبات مجرد سوء تفاهم من النوع الذي يحصل بين كل ثنائي. وبما أن كلاًّ منهما كان شخصاً يشعّ طيبة، أَمِلتُ، عاجلاً أم آجلاً، في أن يُبدِّدا التباين بينهما.

سنة كاملة مرّت على زيارتها الأخيرة إلى الكنيسة صباحاً لتعزف الغيتار وتسبّح العذراء. كرّست نفسها لرعاية فايورل، الذي شرّفني أن أعمّده، مع أنني لم أسمع من قبل بقديس يحمل هذا الاسم. واظبتْ على حضور القدّاس كلّ أحد، وكنا على الدوام نتحدّث بعد أن تنتهي الصلاة وينفضّ الحشد. قالت إنني صديقها الوحيد. معاً تشاركنا العبادة الإلهية. لكنها الآن، احتاجت إلى أن تتقاسم معي مشكلاتها الدنيوية.

أحبّت لوكاس أكثر من أي رجل التقته؛ كان والد ابنها، والشخص الذي اختارت أن تقضي حياتها معه، الشخص الذي تخلّى عن كل شيء وتمتّع بالجرأة الكافية لإنشاء عائلة. عند ظهور الصعوبات، حاولتْ إقناعه أنها مجرد مرحلة، أنّ عليها أن تكرّس نفسها لابنهما، ولم يكن في نيّتها أن تجعل من فايورل طفلاً مدلّلاً مشاكساً. إذ سرعان ما كانت ستتركه يواجه بعض تحدّيات الحياة وحده. بعد ذلك، ترجع الزوجة والمرأة التي عرفها زوجها عندما التقيا للمرة الأولى، بل المرأة التي أصبحت أفضل استيعاباً لواجباتها ومسؤولياتها التي رافقت قرارها. ظل لوكاس يشعر أنه منبوذ؛ حاولت يائسة أن تقسم نفسها ما بين زوجها وابنها، لكن كان عليها دوماً الاختيار بين أحدهما. ومتى حدث ذلك، لم تتردّد يوماً، كانت تختار فايورل.

واستقاءً من معرفتي القليلة بعلم النفس، قلتُ إنها ليست المرة الأولى التي أسمع فيها قصة مماثلة. وفي مثل هذه الحالات، ينزع الرجال إلى الشعور بأنهم منبوذون، لكن سرعان ما يزول ذلك. كنت قد سمعت عن مشكلات مشابهة في محادثاتي مع رعايا آخرين في الأبرشية. خلال إحدى محادثاتنا، اعترفتْ أثينا أنها كانت متسرّعة على الأرجح؛ فرومانسية أن تكون أمّاً شابة أعمتها عن إبصار التحديات الحقيقية التي تنشأ بعد ولادة الطفل. لكن كان الأوان قد فات على الندم.

سألتني إن كان بإمكاني التحدّث إلى لوكاس، الذي لم يأت إلى الكنيسة قط، لأنه، على الأرجح، لم يؤمن بالله؛ أو لأنه فضّل قضاء صباح كل أحد مع ابنه. وافقتُ على طلبها، على أن يأتي بملء إرادته. وعندما كانت أثينا تهمّ في طلب هذه الخدمة منه، حدثت الأزمة الكبرى، فهجرها وهجر فايورل.

أشُرتُ عليها بالصبر، لكن جرحها كان عميقاً. هُجرت مرة في طفولتها، وانتقل الحقد كلّه الذي شعرت به تجاه والدتها الطبيعية آلياً إلى لوكاس، مع أنني عرفت لاحقاً أنهما أصبحا صديقين مقرَّبين ثانية. كانت أثينا ترى أن قطع روابط الأسرة إنما هو أكبر خطيئة يمكن لامرىء أن يرتكبها.

واظبت على المجيء إلى الكنيسة أيام الآحاد، لكنها كانت ترجع إلى المنزل فور انتهاء القدّاس. لم يعد لديها من تترك معه ابنها الذي لم يكن يكفّ عن البكاء طوال القدّاس، مانعاً المصلّين من التركيز. وفي إحدى الفرص النادرة التي أمكننا التحادث خلالها، قالت إنها تعمل لحساب مصرف، وإنها استأجرت شقة، ولا داعي لأن أقلق على حالها، وإن والد فايورل (كفّتْ حينها عن ذكر اسمه( يؤدّي واجباته المادية.

وإذا بيوم الأحد المشؤوم ذاك يأتي.

علمتُ من أحد رعايا الأبرشية ما حدث خلال ذاك الأسبوع. قضيتُ عدة ليالٍ أصلي عسى أن يُنزَل عليّ ملاكاً يوحي إلي إذا كان يجدر بي مواصلة التزامي بالكنيسة أو بالبشر، نساءً ورجالاً من لحم ودم. عندما لم يظهر أي ملاك، اتصلتُ برئيسي، الذي قال لي إنّ السبب الوحيد لبقاء الكنيسة هو التزامها الأزلي بالعقيدة. ولو أنها درجت على الاستثناءات، لرجعنا إلى القرون الوسطى. عرفتُ بالضبط ما كان سيحدث. فكّرتُ في مهاتفة أثينا، لكنها لم تكن قد أعطتني رقم هاتفها الجديد.

ذاك الصباح، ارتجفتْ يداي وأنا أرفع القربان المقدّس وأباركه. تلفّظتُ بالكلمات التي غدت تقليداً عمره ألف سنة، بالقدرة التي توارثتها الأجيال من الرُسل. ثم ارتحلتْ خواطري إلى تلك المرأة الشابة وطفلها بين ذراعيها، كما العذراء، أعجوبة الأمومة والحب التي تجلّت في الهجر والعزلة، تلك المرأة التي انضمّت إلى صف المتناولين كما كانت تفعل دائماً وتتقدّم ببطء للمناولة.

أعتقد أن غالبية الحشد عرف ما كان يحدث. وكانوا جميعاً يراقبونني، مترقّبين ردّة فعلي. رأيت نفسي محاطاً بأهل العدل، بالخطأة، بالفرّيسيين، بأعضاء من مجلس اليهود، بالرُسل، بالتلاميذ، بذوي النيات الحسنة كما السيئة.

مثلتْ أثينا أمامي وقامت بالحركة المعتادة: أغمضت عينيها، وفتحت فمها لاستقبال جسد المسيح.

بقي جسد المسيح في يديّ.

فتحتْ عينيها، عاجزة عن فهم ما يحدث.

قلتُ همساً: «Ø³Ù†ØªØ­Ø¯Ù‘Ø« لاحقاً».

لكنها لم تأتِ بحركة.

«Ø³Ù†ØªØ­Ø¯Ù‘ثُ لاحقاً، الناس مصطفّون وراءك. سنتحدّث لاحقاً».

سألتْ، بصوت سَمِعَه كل من وقف في الصف:

«Ù…اذا يحدث؟».

«Ø³Ù†ØªØ­Ø¯Ù‘Ø« لاحقاً».

«Ù„ماذا لا تريد مناولتي؟ ألا ترى أنك تُهينني أمام الجميع؟ أَوَلا يكفيني ما أعانيه؟».

قلتُ مجدداً: «Ø£Ø«ÙŠÙ†Ø§ØŒ تحرّم الكنيسة المطَلّقات من تناول القربان المقدّس. لقد وقّعتِ أوراق طلاقك هذا الأسبوع. سنتحدّث لاحقاً».

عندما أدركتُ أنها ستظلّ قابعة مكانها، أومأتُ إلى الشخص الواقف وراءها بالتقدّم. واصلتُ المناولة حتى آخر الرعايا. عندئذ بالذات، قبل أن أستدير ناحية المذبح، كان أن سمعتُ ذاك الصوت.

لم يعد صوت الفتاة التي بجّلت العذراء مريم، التي تحدّثت عن مخطّطاتها، التي تأثّرت جداً عندما شاطرتني تعرّفها سِيَر القديسين، والتي كادت دموعها تنهمر عندما أطلعتني على مشكلاتها الزوجية. كان الصوت صوت حيوان جريح، مُهان، بقلب ملؤه الكراهية.

قال الصوت:

«Ø§Ù„لعنة على هذا المكان! اللعنة على كل من لم يُصغِ إلى كلام المسيح وحوّلوا مُرْسَلَته إلى بناءٍ من حجر. ذلك أن المسيح قال: «ØªØ¹Ø§Ù„وا إليّ يا جَمِيعَ المتْعَبِين والرَازِحين تَحْتَ الأَحْمَالِ الثَقِيْلَةِ، وأَنا أُريْحُكُم». أنا تحت حمل ثقيل ولن يَدَعوني آتي إلى الربّ. تعلّمتُ اليوم أنّ الكنيسة قد غيّرت تلك الكلمات، لتُمسي: «ØªØ¹Ø§Ù„وا إليّ يا جميع التابعين للأحكام، ودعوا الرازحين تحت الأحمال الثقيلة يهلكون!».

سمعتُ إحدى النسوة في الصف الأمامي من مقاعد الكنيسة تسألها الهدوء. لكنني أردت سماعها. احتجتُ إلى سماعها. استدرتُ ناحيتها، مطأطأ الرأس. كان ذلك كلّ ما أمكنني فعله.

«Ø£ÙÙ‚سم أنني لن أطأ كنيسة بعدُ في حياتي! مرة أخرى، تهجرني عائلة، وهذه المرة لا دخل للصعوبات المالية بالأمر أو بقلّة نضج من يتزوجون عن عمر يافع جداً. اللعنة على كلّ من يوصد الباب في وجه أم وطفلها! أنتم تماماً كأولئك الناس الذين رفضوا قبول عائلة يسوع. كأولئك الذين أنكروا المسيح عندما كان بأمسّ الحاجة إلى صديق!».

بذلك، استدارتْ ورحلت، والدموع تنهمر على وجنتيها، وطفلها بين ذراعيها. أنهيتُ خدمة القدّاس، قدّمتُ المباركة الأخيرة وتوجّهتُ تواً إلى ملحق الكنيسة. ذاك الأحد، لم يكن لأكرّسه من أجل إسداء النصح والمحادثات غير المثمرة. ذاك الأحد، واجهتني معضلة فلسفية هي أنني اخترت الوفاء للمؤسسة عوضاً عن الكلمات التي تقوم عليها هذه المؤسسة.

أنا أتقدّم في العمر الآن، ويمكن أن يتغمّدني الله في أي لحظة. بقيتُ مخلصاً لديني، وأؤمن بأن الدين، على الرغم من كل هفواته، فإنه يحاول أن يضع الأمور في نصابها. ستمرّ عقود، ربما قرون، لكن ذات يوم، سيكون المهمّ هو الحب وكلمة المسيح: «ØªÙŽØ¹ÙŽØ§Ù„وا إِليَّ يا جَمِيعَ المُتْعَبِينَ وَالرَازِحِينَ تَحْتَ الأَحْمَالِ الثَقِيلَةِ وأَنا أُرِيحُكُم». لقد كرّستُ حياتي كلّها للكهنوت ولا أندم على قراري ولو لثانية. مع ذلك، تمرّ أوقات، مثل ذلك الأحد، يراودني فيه الشك في الإنسان مع أنني لا أشك في إيماني.

أعرفُ الآن ما حدث لأثينا، وأتساءل عجباً: هل بدأ ذلك في تلك اللحظة، أم أنه كان راسخاً في روحها؟ أفكّر في أمثال أثينا ولوكاس في العالم، أولئك المطلّقين، المحرومين من تناول القربان المقدّس. كلّ ما يمكنهم فعله هو أن يجيلوا الفكر في المسيح المتعذّب، المصلوب، والإصغاء إلى كلماته، وهي كلمات لا تكون دوماً على وفاق مع قوانين الفاتيكان. في حالات قليلة، يهجر هؤلاء الناس الكنيسة. لكنهم، في غالبيتهم، يواظبون على حضور قدّاس الأحد، لأن هذا ما تعوّدوه، على الرغم من معرفتهم أنّ القربان والنبيذ المتحوِّلَين إلى جسد الرب ودمه محظوران عليهم.

أرغب في تصوّر أثينا، بمغادرتها الكنيسة، أنها التقت يسوع باكية، مضطربة. ولو حصل ذلك لارتمت بين ذراعيه وطلبت إليه أن يفسّر لها استبعادها بسبب ورقة وقّعتها، وهو أمر تافه على المستوى الروحاني، وعلى قدر من الأهمية لمكاتب التسجيل وجباة الضرائب.

ولا بد أن المسيح قد أجاب أثينا:

«ÙŠØ§ ابنتي، استُبعدتُ أنا أيضاً. لقد مرّ وقت طويل قبل سماحهم لي بالدخول».

الفصل التالي سيعرض في 05/03/2007

أعزّائي القرّاء،

بما أنه ليس في إمكاني التحدّث بلغتكم، طلبت من شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، الناشر باللغة العربية، أن تترجم لي كل تعليقاتكم القيّمة على روايتي الجديدة. ملاحظاتكم وآراؤكم تعني لي الكثير.

مع حبّي،

باولو كويليو